جرش نيوز- المهندس زهير عبدالفتاح أبو زعرور
في العام 1914 كان جدي المسمى فلاح محمد مصطفى الزعارير احد الشباب الأردنيين الذين اجبروا للذهاب إلى تركيا من قبل الدوله العثمانيه للمشاركة في الحرب ألعالميه الأولى والتي لم يكن لنا فيها ناقة ولا جمل تاركا خلفه سنابل قمح كثيرة لم تحصد وعائله بأمس الحاجة لوجوده معهم، وبعد فتره من غيابه وصل خبر استشهاده في تلك البلاد البعيدة فأقام له أقاربه بيتا للعزاء دون أن يروه أو يشاركوا في جنازته فانقطع ذكره لأنهم لم يعطوه الفرصه ليتزوج ويكون أسره.
ولكنه أصر أن يكمل مهمة جمع سنابل القمح في أرضه والتي اعتاد عليها منذ طفولته ليظهر فجأة وبعد تسع سنوات من خبر وفاته الكاذب قادما من تركيا مشيا على الأقدام برفقة احد أصدقائه حيث كان يمشي في الليل وينام في النهار وفي اخطر الظروف حتى استطاع الوصول لبلدته بأمان ، فأقام له أقاربه بيتا للفرح بعودته من رحلة الموت ليلغوا بذلك بيت العزاء السابق وأصروا أن يزوجوه فورا من جدتي
( نوفه) رحمها الله وذلك لان عمره تجاوز الثلاثين وهذا عمر متقدم جدا في ذلك الوقت لرجل لم يتزوج ، وهكذا وبعد إنجاب سبعة من البنات ولد أبي ورحل جدي تاركا أبي ذا الخمس سنوات من العمر فاضطر أبي في طفولته وفي عمر ثماني سنوات أن يمسك المحراث بيده بدلا من اللعب وان يبذر الحب ويتابع الأرض والحلال ويمشي أربع كيلو مترات ليصل إلى مدرسته .
كما اضطر أن يرفع رأسه ويمشي على رؤؤس أصابعه حتى يرى طريقه لان سنابل القمح في أرضه كانت أطول منه ، مشى مع الرجال ولم يملك الوقت ليمشي مع الأطفال في سنه فهو المسئول عن أم وسبع بنات اكبر منه وولدين اصغر منه وفي ظروف الخمسينيات الصعبة حيث كان الناس يأكلون مما ينتجون بأيديهم ، كان يتمنى أن يكون في صفوف الجيش العربي الأردني مع أقرانه ولكنه لم يستطع كونه الرجل الأكبر في عائلته ولا تسمح له الظروف بالابتعاد عن أمه وإخوته ، فالتحق أخوه الأصغر في صفوف الجيش العربي ليكون شهيدا في واجب مقدس وبعمر 19 عاما.
عندما أصبحت زراعة القمح غير مجدية تحول أبي لزراعة الزيتون لتبدأ رحلة جديدة من الجهد والتعب والصبر واللعب مع الأرض والتي تعطي خيرا طيبا مباركا لمن يجبلها بعرقه فزرع مئات الأشجار بيديه ورواها بعرقه وصبره .
لقد كان همه أن يحافظ على أرضه التي ورثها عن آبائه وأجداده ويعمرها ويغرسها وان يعلم أبناءه ، وكان يجوب أرضه طوال حياته عاشقا لها مفتخرا رافعا رأسه بين أشجاره لم ينحني لغير الله إلا ليغرس شجره أو ليجمع سنابل قمحه أو ليراقب قنوات ري المياه التي تروي أشجار الكرز والزيتون في وادي الكته .
كان دائما يأخذني معه في صغري إلى مجالس الرجال والتعاليل لأتعلم من المجالس وعندما كنت أحدق أحيانا في الأرض متفكرا بقصص اسمعها لأول مره كان يوكزني ويهمس في أذني أن ارفع راسي بين الرجال .
قال لي عندما أعجبته شهادتي ألمدرسيه المتفوقة في الابتدائي أن اهتم بدراستي فقط وانه مستعد لبيع داره إن لزم ليدرسني في أي جامعه أريد.
لم يأخذ فترة استراحة أو تقاعد عن العمل في حياته فبقي يعمل حتى السبعين من عمره ولكن المرض الخبيث الذي ظهر أخيرا قال له يجب أن تتقاعد عن العمل وتجلس إما في بيتك أو في المستشفى حسب رأي الطبيب وكأن الحياه صراع دائم إما مع العمل والأرض أو مع المرض وهذا كله خير للمؤمن ، فالصبر على تعب الأرض أنتج كثيرا من أشجار الزيتون المباركة والتي تعمر آلاف السنين ، فما زلنا في محافظة جرش نأكل من أشجار الزيتون الرومي والتي زرعها الرومان ،وأشجار أبي ستبقى إن شاء الله لآلاف السنين وستأكل منها أجيال عديدة وفي هذا اجر وثواب ، وصراع المرض والصبر عليه يطهر خطايا الإنسان ليلاقي خالقه نظيفا طاهرا.
في لحظاته الاخيره وقبل وفاته كان يوصيني كوني ابنه الأكبر بالصبر والكرم والرجولة ومشاركة الناس وعلى جمع كلمة الاخوان ، وأوصى ابنه الأصغر أن أكمل الفصل الأخير في جامعتك وكن طبيبا مميزا ورجلا صلبا ، وكان ينظر لأبنائه ألسبعه من حوله وهو يسلم الروح محاولا أن يرفع رأسه عاليا لأنه متأكد أنهم سيبقون كما أراد ولن يبيعوا شجرة زيتون واحده مروية بعرق أبيهم وتعمر لآلاف السنين ، فاستسلم الجسد للسكون وبقي الشاهد يتحرك حتى فارق الحياه .
ومثلما كان أبي في صغره يرفع رأسه لان سنابل القمح في أرضه كانت أطول منه ، كنت ارفع راسي عاليا في المقبرة يوم وفاته بسبب كثرة الزحام من المشيعين وشعرت كأني امشي في حقل من القمح ، ومثلما لم يجد أبي وقتا ليلعب مع الأطفال في صغره بسبب حجم المسؤوليه أنا كذلك لم أجد وقتا كافيا لأحزن على وفاته كما يجب بسبب وجود أهالي بلدتي وأصدقاء أبي وأصدقائي وزملائي معي بشكل متواصل.
صحيح أن حكاية أبي هذه حكاية خاصة وقد اختصرتها كما رايتها ، ولكنني متأكد بأنها حكاية عامه لان في كل بيت أردني حكاية مشابهه وان هنالك ملايين من الحكايا الاردنيه المملوءه بالعز والفخار . فلنحافظ على بلدنا الذي بني بتعب وعرق وصبر آبائنا وأجدادنا ، فالأردن سيبقى دائما بلد الرجال الرجال والهامات المرفوعه وبلد الخير والنوايا ألطيبه والتضحيات الجسام ، وستبقى الراية عاليه خفاقة والرؤوس مرفوعة مادامت قيادته هاشميه حكميه . ( ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثير) والحمد لله رب العالمين
في العام 1914 كان جدي المسمى فلاح محمد مصطفى الزعارير احد الشباب الأردنيين الذين اجبروا للذهاب إلى تركيا من قبل الدوله العثمانيه للمشاركة في الحرب ألعالميه الأولى والتي لم يكن لنا فيها ناقة ولا جمل تاركا خلفه سنابل قمح كثيرة لم تحصد وعائله بأمس الحاجة لوجوده معهم، وبعد فتره من غيابه وصل خبر استشهاده في تلك البلاد البعيدة فأقام له أقاربه بيتا للعزاء دون أن يروه أو يشاركوا في جنازته فانقطع ذكره لأنهم لم يعطوه الفرصه ليتزوج ويكون أسره.
ولكنه أصر أن يكمل مهمة جمع سنابل القمح في أرضه والتي اعتاد عليها منذ طفولته ليظهر فجأة وبعد تسع سنوات من خبر وفاته الكاذب قادما من تركيا مشيا على الأقدام برفقة احد أصدقائه حيث كان يمشي في الليل وينام في النهار وفي اخطر الظروف حتى استطاع الوصول لبلدته بأمان ، فأقام له أقاربه بيتا للفرح بعودته من رحلة الموت ليلغوا بذلك بيت العزاء السابق وأصروا أن يزوجوه فورا من جدتي
( نوفه) رحمها الله وذلك لان عمره تجاوز الثلاثين وهذا عمر متقدم جدا في ذلك الوقت لرجل لم يتزوج ، وهكذا وبعد إنجاب سبعة من البنات ولد أبي ورحل جدي تاركا أبي ذا الخمس سنوات من العمر فاضطر أبي في طفولته وفي عمر ثماني سنوات أن يمسك المحراث بيده بدلا من اللعب وان يبذر الحب ويتابع الأرض والحلال ويمشي أربع كيلو مترات ليصل إلى مدرسته .
كما اضطر أن يرفع رأسه ويمشي على رؤؤس أصابعه حتى يرى طريقه لان سنابل القمح في أرضه كانت أطول منه ، مشى مع الرجال ولم يملك الوقت ليمشي مع الأطفال في سنه فهو المسئول عن أم وسبع بنات اكبر منه وولدين اصغر منه وفي ظروف الخمسينيات الصعبة حيث كان الناس يأكلون مما ينتجون بأيديهم ، كان يتمنى أن يكون في صفوف الجيش العربي الأردني مع أقرانه ولكنه لم يستطع كونه الرجل الأكبر في عائلته ولا تسمح له الظروف بالابتعاد عن أمه وإخوته ، فالتحق أخوه الأصغر في صفوف الجيش العربي ليكون شهيدا في واجب مقدس وبعمر 19 عاما.
عندما أصبحت زراعة القمح غير مجدية تحول أبي لزراعة الزيتون لتبدأ رحلة جديدة من الجهد والتعب والصبر واللعب مع الأرض والتي تعطي خيرا طيبا مباركا لمن يجبلها بعرقه فزرع مئات الأشجار بيديه ورواها بعرقه وصبره .
لقد كان همه أن يحافظ على أرضه التي ورثها عن آبائه وأجداده ويعمرها ويغرسها وان يعلم أبناءه ، وكان يجوب أرضه طوال حياته عاشقا لها مفتخرا رافعا رأسه بين أشجاره لم ينحني لغير الله إلا ليغرس شجره أو ليجمع سنابل قمحه أو ليراقب قنوات ري المياه التي تروي أشجار الكرز والزيتون في وادي الكته .
كان دائما يأخذني معه في صغري إلى مجالس الرجال والتعاليل لأتعلم من المجالس وعندما كنت أحدق أحيانا في الأرض متفكرا بقصص اسمعها لأول مره كان يوكزني ويهمس في أذني أن ارفع راسي بين الرجال .
قال لي عندما أعجبته شهادتي ألمدرسيه المتفوقة في الابتدائي أن اهتم بدراستي فقط وانه مستعد لبيع داره إن لزم ليدرسني في أي جامعه أريد.
لم يأخذ فترة استراحة أو تقاعد عن العمل في حياته فبقي يعمل حتى السبعين من عمره ولكن المرض الخبيث الذي ظهر أخيرا قال له يجب أن تتقاعد عن العمل وتجلس إما في بيتك أو في المستشفى حسب رأي الطبيب وكأن الحياه صراع دائم إما مع العمل والأرض أو مع المرض وهذا كله خير للمؤمن ، فالصبر على تعب الأرض أنتج كثيرا من أشجار الزيتون المباركة والتي تعمر آلاف السنين ، فما زلنا في محافظة جرش نأكل من أشجار الزيتون الرومي والتي زرعها الرومان ،وأشجار أبي ستبقى إن شاء الله لآلاف السنين وستأكل منها أجيال عديدة وفي هذا اجر وثواب ، وصراع المرض والصبر عليه يطهر خطايا الإنسان ليلاقي خالقه نظيفا طاهرا.
في لحظاته الاخيره وقبل وفاته كان يوصيني كوني ابنه الأكبر بالصبر والكرم والرجولة ومشاركة الناس وعلى جمع كلمة الاخوان ، وأوصى ابنه الأصغر أن أكمل الفصل الأخير في جامعتك وكن طبيبا مميزا ورجلا صلبا ، وكان ينظر لأبنائه ألسبعه من حوله وهو يسلم الروح محاولا أن يرفع رأسه عاليا لأنه متأكد أنهم سيبقون كما أراد ولن يبيعوا شجرة زيتون واحده مروية بعرق أبيهم وتعمر لآلاف السنين ، فاستسلم الجسد للسكون وبقي الشاهد يتحرك حتى فارق الحياه .
ومثلما كان أبي في صغره يرفع رأسه لان سنابل القمح في أرضه كانت أطول منه ، كنت ارفع راسي عاليا في المقبرة يوم وفاته بسبب كثرة الزحام من المشيعين وشعرت كأني امشي في حقل من القمح ، ومثلما لم يجد أبي وقتا ليلعب مع الأطفال في صغره بسبب حجم المسؤوليه أنا كذلك لم أجد وقتا كافيا لأحزن على وفاته كما يجب بسبب وجود أهالي بلدتي وأصدقاء أبي وأصدقائي وزملائي معي بشكل متواصل.
صحيح أن حكاية أبي هذه حكاية خاصة وقد اختصرتها كما رايتها ، ولكنني متأكد بأنها حكاية عامه لان في كل بيت أردني حكاية مشابهه وان هنالك ملايين من الحكايا الاردنيه المملوءه بالعز والفخار . فلنحافظ على بلدنا الذي بني بتعب وعرق وصبر آبائنا وأجدادنا ، فالأردن سيبقى دائما بلد الرجال الرجال والهامات المرفوعه وبلد الخير والنوايا ألطيبه والتضحيات الجسام ، وستبقى الراية عاليه خفاقة والرؤوس مرفوعة مادامت قيادته هاشميه حكميه . ( ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثير) والحمد لله رب العالمين
تعليقات: 0
إرسال تعليق