جرش نيوز
قصة الرحالة روبنسون كروزو الذي نجا من الموت بعد غرق سفينته، واستقر في إحدى الجزر النائية ليعيش مع الطبيعة؛ ألهمت الفنان التشكيلي غسان العياصرة التجول في الطبيعة وجلب مخلفاتها من أخشاب وأحجار لإعادة تشكيلها، لتصبح نافعة ذات قيمة ومعنى.
على أطلال الطبيعة الساحرة لجبال جرش، يستلهم العياصرة (53 عاما) إبداع تصاميم تحفه الفنية من وحي الطبيعة، حيث يفضل العيش في كوخه الصغير، بعيدا عن وسائل العولمة والاتصال.
هكذا بدا عندما قصدناه لإعداد هذا التقرير، قسمات وجهه تعبر عن سعادة وهو يوقد مدفأته القديمة بقطع من الحطب، منصتا لطرق قطرات المطر المنهمر على سقف كوخه البدائي.
بداية القصة
قبل 25 عاما، كانت جبال ساكب وغاباتها الخضراء على موعد مع رجلها المحب لخُضرتها والمدافع عنها في وجه المخاطر البيئية، فقد عُرف العياصرة منذ عشرينيات عمره بمحاربة المعتدين على الأشجار.
يحزم أمتعته كل يوم قاصدا التجول في الغابات المحيطة بمنزله، حيث يقيم في بلدة ساكب، الواقعة في محافظة جرش (شمال غربي المملكة الأردنية).
يقول العياصرة للجزيرة نت إنه لم يفكر في أن يصبح فنانا تشكيليا، لكن تشجيع رفاقه وأبناء منطقته لمعرضه الأول قبل عشرين عاما، شكل حافزا له لإكمال مشواره الذي بدأه بأدوات بدائية متوفرة في كل مطبخ منزلي.
كانت مشاركة العياصرة في أحد معارض الجامعة الأردنية منتصف التسعينيات، البداية التي أوصلته للعالمية، بسبب ما تناقلته وسائل الإعلام عن المعرض الأول في المملكة الأردنية، لتحف فنية مصنوعة من مخلفات الطبيعة.
يضيف العياصرة في حديثه للجزيرة نت أن النقطة الفارقة في حياته كانت عندما حاول الانتساب لرابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، ليتفاجأ برفض طلبه؛ الأمر الذي خلق لديه تحديا، أفضى لتفرغه ثلاث سنوات لإنتاج أضخم مشروع فني لمجسم ديني في العالم، مصنوع من مخلفات الطبيعة (قبة الصخرة المشرفة).
قبة الصخرة المشرفة
بدأ العياصرة العمل على مجسم قبة الصخرة المشرفة منذ عام 1992، وحتى عام 1995، مستغرقا ثلاث سنوات، بمعدل عشر ساعات من العمل اليومي. وهو مجسم خشبي، مرصعٌ بنصف مليون بذرة من ثمار الزيتون والتمر، ويحتوي على ثمانين ألف قطعة فسيفساء من الزجاج المكسر والملون، إضافة إلى استعانته بغذاء الشعير في كتابة أسماء الله الحسنى، على قاعدة من قشور البيض.
مجسم المسجد الحرام ومن خلفه يجلس الفنان العياصرة (الجزيرة)
مجسم المسجد الحرام
اهتدى العياصرة إلى طريقة مثلى للعمل على تدوير مخلفات المنازل والمدارس، وترسيخ هذه الثقافة عند طلبة المدارس من خلال الاستعانة بهم في جمع أكياس "الشيبس"، وتحويلها لمجسم ضخم، يجسّد شكل المسجد الحرام، موظِفا ألوان "الشيبس" المتعددة في إنجاز العديد من التحف المضيئة، التي أبهرت كل من شاهدها.
إهمال وزارتي الثقافة والبيئة
تلقى العياصرة العديد من الدعوات للمشاركة في مهرجاناتٍ ثقافيةٍ وتراثية حول العالم، في كل من إيطاليا وتركيا وكوريا وإسبانيا وقطر، ويضيف أن المجتمع الغربي يُقبل على هذه الأعمال الفنية بشغف وتقدير، بعكس المجتمعات العربية، إذ يشتكي بحرقة إهمال وزارتي الثقافة والبيئة الأردنية أعماله التي جذبت وسائل أعلام عالمية وسفراء دول حول العالم.
ويتابع العياصرة أنه قدم العديد من المشاريع النافعة للبيئة والفن، وقصد العديد من المسؤولين الأردنيين والمتنفذين في هذا المجال، لكن دون جدوى، على حد وصفه.
يستضيف العياصرة العديد من السيّاح الأجانب والعرب لخوض تجربة ما يطلق عليها "السياحة التجريبية" (مواقع التواصل)
السياحة التجريبية
يستضيف العياصرة العديد من السيّاح الأجانب والعرب لخوض تجربة ما يُطلق عليها "السياحية التجريبية"، التي تقوم على تعايش الزوار برفقة العياصرة، وتجربة كلُ ما يقوم به من تجوّل في الغابات وجلب مخلفاتها، لإعادة تشكيلها في كوخه المطل على غابات وجبال جرش الخضراء، إضافة إلى صنع الطعام المستخلص من الطبيعة، كمشاركة زواره في قطف ثمار الفطر البري من الغابات المحيطة بمنزله، وطهوها على موقد من الحطب وتقديمها شهية لهم.
شهداء ساكب في فلسطين
عمل العياصرة على رسم أكبر جدارية في المملكة الأردنية -على حد وصفه- بعد أن كانت ملوثة بالعبارات الشعبية قبل أن يعمل على تحويلها إلى لوحة فنية، تحكي قصة استشهاد أبناء بلدته، الذين نالوا الشهادة على أرض فلسطين، في كل من حرب النكبة عام 48م، وحرب النكسة عام 67م، ولترسيخ قصص الشهداء وتخليدها للأجيال القادمة.
الفنان العياصرة يعمل في كوخه على إنجاز تحفة مصنوعة من قرون الغزال التي جمعها من الغابة (الجزيرة)
التعايش مع الطبيعة
كلُ من يلتقي العياصرة يشعر بانعكاس الطبيعة على أحاديثه ونمط حياته من مأكل ومشرب، لكن الأكثر غرابة تسميتهُ لأبنائه بأسماء تعبر عن رسائله الفنية والبيئية، فرسام اسم ابنه الأكبر، والآخر اسمه "رواسم"، أما إحدى بناته فاسمها "فنون"، و"لالا" اسم آخر العنقود، ويوضح العياصرة أن الاسم الأخير (لالا)، رسالة توكيد "بلا" لتدمير البيئة و"لا" للأعمال المضرّة بها.
العياصرة الذي تقاعد حديثا من مهنة التمريض، أنتج خمسين مادة غذائية، وقام بمزج العديد منها بالأعشاب البرية بعد استخلاصها من غابات ساكب، مضيفا أن هذه الأعمال حسّنت دخله بعد التقاعد.
رسالة دينية وبيئية
أكثر من 25 عاما قضاها العياصرة في مشروعه، لإعادة تدوير مخلفات المدارس والمنازل، وتحويلها لمشاريع صديقة للبيئة، ورغم الآثار الصحية المترتبة على استغراقه في هذه الأعمال، فإنه يبدي سعادة عندما يرى آثار هذه الأعمال في نشر ثقافة إعادة التدوير والمحافظة على البيئة، وتحويل هذه المخلفات من مواد سامّة وضارّة إلى مجسمات وتحف فنية، تسحر عيون الناظرين إليها، بعد أن كانت عبئاً ثقيلاً على الإنسان بسبب صعوبة التخلص منها.
يتابع العياصرة بأنه فَضّل صنع المجسمات الإسلامية -كقبة الصخرة المشرفة، والمسجد الحرام- لربط أعمال تدوير المخلفات لما فيها من رسائل بيئية تعبر عن جوهر الإسلام الذي يحثّ على المحافظة على البيئة، والإحسان في العمل وعمارة الأرض دون ضرر، فقد وظّف هذه المجسمات لما فيها من قيمة دينية وعالمية عند المسلمين لإيصال هذه الرسائل.
قصة الرحالة روبنسون كروزو الذي نجا من الموت بعد غرق سفينته، واستقر في إحدى الجزر النائية ليعيش مع الطبيعة؛ ألهمت الفنان التشكيلي غسان العياصرة التجول في الطبيعة وجلب مخلفاتها من أخشاب وأحجار لإعادة تشكيلها، لتصبح نافعة ذات قيمة ومعنى.
على أطلال الطبيعة الساحرة لجبال جرش، يستلهم العياصرة (53 عاما) إبداع تصاميم تحفه الفنية من وحي الطبيعة، حيث يفضل العيش في كوخه الصغير، بعيدا عن وسائل العولمة والاتصال.
هكذا بدا عندما قصدناه لإعداد هذا التقرير، قسمات وجهه تعبر عن سعادة وهو يوقد مدفأته القديمة بقطع من الحطب، منصتا لطرق قطرات المطر المنهمر على سقف كوخه البدائي.
بداية القصة
قبل 25 عاما، كانت جبال ساكب وغاباتها الخضراء على موعد مع رجلها المحب لخُضرتها والمدافع عنها في وجه المخاطر البيئية، فقد عُرف العياصرة منذ عشرينيات عمره بمحاربة المعتدين على الأشجار.
يحزم أمتعته كل يوم قاصدا التجول في الغابات المحيطة بمنزله، حيث يقيم في بلدة ساكب، الواقعة في محافظة جرش (شمال غربي المملكة الأردنية).
يقول العياصرة للجزيرة نت إنه لم يفكر في أن يصبح فنانا تشكيليا، لكن تشجيع رفاقه وأبناء منطقته لمعرضه الأول قبل عشرين عاما، شكل حافزا له لإكمال مشواره الذي بدأه بأدوات بدائية متوفرة في كل مطبخ منزلي.
كانت مشاركة العياصرة في أحد معارض الجامعة الأردنية منتصف التسعينيات، البداية التي أوصلته للعالمية، بسبب ما تناقلته وسائل الإعلام عن المعرض الأول في المملكة الأردنية، لتحف فنية مصنوعة من مخلفات الطبيعة.
يضيف العياصرة في حديثه للجزيرة نت أن النقطة الفارقة في حياته كانت عندما حاول الانتساب لرابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، ليتفاجأ برفض طلبه؛ الأمر الذي خلق لديه تحديا، أفضى لتفرغه ثلاث سنوات لإنتاج أضخم مشروع فني لمجسم ديني في العالم، مصنوع من مخلفات الطبيعة (قبة الصخرة المشرفة).
قبة الصخرة المشرفة
بدأ العياصرة العمل على مجسم قبة الصخرة المشرفة منذ عام 1992، وحتى عام 1995، مستغرقا ثلاث سنوات، بمعدل عشر ساعات من العمل اليومي. وهو مجسم خشبي، مرصعٌ بنصف مليون بذرة من ثمار الزيتون والتمر، ويحتوي على ثمانين ألف قطعة فسيفساء من الزجاج المكسر والملون، إضافة إلى استعانته بغذاء الشعير في كتابة أسماء الله الحسنى، على قاعدة من قشور البيض.
مجسم المسجد الحرام ومن خلفه يجلس الفنان العياصرة (الجزيرة)
مجسم المسجد الحرام
اهتدى العياصرة إلى طريقة مثلى للعمل على تدوير مخلفات المنازل والمدارس، وترسيخ هذه الثقافة عند طلبة المدارس من خلال الاستعانة بهم في جمع أكياس "الشيبس"، وتحويلها لمجسم ضخم، يجسّد شكل المسجد الحرام، موظِفا ألوان "الشيبس" المتعددة في إنجاز العديد من التحف المضيئة، التي أبهرت كل من شاهدها.
إهمال وزارتي الثقافة والبيئة
تلقى العياصرة العديد من الدعوات للمشاركة في مهرجاناتٍ ثقافيةٍ وتراثية حول العالم، في كل من إيطاليا وتركيا وكوريا وإسبانيا وقطر، ويضيف أن المجتمع الغربي يُقبل على هذه الأعمال الفنية بشغف وتقدير، بعكس المجتمعات العربية، إذ يشتكي بحرقة إهمال وزارتي الثقافة والبيئة الأردنية أعماله التي جذبت وسائل أعلام عالمية وسفراء دول حول العالم.
ويتابع العياصرة أنه قدم العديد من المشاريع النافعة للبيئة والفن، وقصد العديد من المسؤولين الأردنيين والمتنفذين في هذا المجال، لكن دون جدوى، على حد وصفه.
يستضيف العياصرة العديد من السيّاح الأجانب والعرب لخوض تجربة ما يطلق عليها "السياحة التجريبية" (مواقع التواصل)
السياحة التجريبية
يستضيف العياصرة العديد من السيّاح الأجانب والعرب لخوض تجربة ما يُطلق عليها "السياحية التجريبية"، التي تقوم على تعايش الزوار برفقة العياصرة، وتجربة كلُ ما يقوم به من تجوّل في الغابات وجلب مخلفاتها، لإعادة تشكيلها في كوخه المطل على غابات وجبال جرش الخضراء، إضافة إلى صنع الطعام المستخلص من الطبيعة، كمشاركة زواره في قطف ثمار الفطر البري من الغابات المحيطة بمنزله، وطهوها على موقد من الحطب وتقديمها شهية لهم.
شهداء ساكب في فلسطين
عمل العياصرة على رسم أكبر جدارية في المملكة الأردنية -على حد وصفه- بعد أن كانت ملوثة بالعبارات الشعبية قبل أن يعمل على تحويلها إلى لوحة فنية، تحكي قصة استشهاد أبناء بلدته، الذين نالوا الشهادة على أرض فلسطين، في كل من حرب النكبة عام 48م، وحرب النكسة عام 67م، ولترسيخ قصص الشهداء وتخليدها للأجيال القادمة.
الفنان العياصرة يعمل في كوخه على إنجاز تحفة مصنوعة من قرون الغزال التي جمعها من الغابة (الجزيرة)
التعايش مع الطبيعة
كلُ من يلتقي العياصرة يشعر بانعكاس الطبيعة على أحاديثه ونمط حياته من مأكل ومشرب، لكن الأكثر غرابة تسميتهُ لأبنائه بأسماء تعبر عن رسائله الفنية والبيئية، فرسام اسم ابنه الأكبر، والآخر اسمه "رواسم"، أما إحدى بناته فاسمها "فنون"، و"لالا" اسم آخر العنقود، ويوضح العياصرة أن الاسم الأخير (لالا)، رسالة توكيد "بلا" لتدمير البيئة و"لا" للأعمال المضرّة بها.
العياصرة الذي تقاعد حديثا من مهنة التمريض، أنتج خمسين مادة غذائية، وقام بمزج العديد منها بالأعشاب البرية بعد استخلاصها من غابات ساكب، مضيفا أن هذه الأعمال حسّنت دخله بعد التقاعد.
رسالة دينية وبيئية
أكثر من 25 عاما قضاها العياصرة في مشروعه، لإعادة تدوير مخلفات المدارس والمنازل، وتحويلها لمشاريع صديقة للبيئة، ورغم الآثار الصحية المترتبة على استغراقه في هذه الأعمال، فإنه يبدي سعادة عندما يرى آثار هذه الأعمال في نشر ثقافة إعادة التدوير والمحافظة على البيئة، وتحويل هذه المخلفات من مواد سامّة وضارّة إلى مجسمات وتحف فنية، تسحر عيون الناظرين إليها، بعد أن كانت عبئاً ثقيلاً على الإنسان بسبب صعوبة التخلص منها.
يتابع العياصرة بأنه فَضّل صنع المجسمات الإسلامية -كقبة الصخرة المشرفة، والمسجد الحرام- لربط أعمال تدوير المخلفات لما فيها من رسائل بيئية تعبر عن جوهر الإسلام الذي يحثّ على المحافظة على البيئة، والإحسان في العمل وعمارة الأرض دون ضرر، فقد وظّف هذه المجسمات لما فيها من قيمة دينية وعالمية عند المسلمين لإيصال هذه الرسائل.

تعليقات: 0
إرسال تعليق